الشيخ محمد هادي معرفة

65

تلخيص التمهيد

تملّ منه الإعادة ، وكلّما أخذت فيه على وجه ولم تخلّ بأدائه رأيته غضّاً طريّاً وجديداً مونقاً ، وصادفت من نفسك نشاطاً مستأنفاً وحسّاً موفوراً . والكلمة في حقيقة وصفها إنّما هي صوت للنفس ، لأنّها تلبّس قطعة من المعنى فتختصّ به على مناسبةٍ لحظتها النفس فيها حين فصّلت تركيب الكلام . وصوت النفس أوّل الأصوات الثلاثة التي لابدّ منها في تركيب النسق البليغ ، حتّى يستجمع الكلام بها أسباب الاتّصال بين الألفاظ ومعانيها ، وبين هذه المعاني وصوَرها النفسيّة ، والأصوات الثلاثة هي : 1 - صوت النفس ، وهو الصوت الموسيقيّ الذي يكون من تأليف النغم بالحروف ومخارجها وحركاتها ، ومواقع ذلك من تركيب الكلام ونظمه . 2 - صوت العقل ، وهو الصوت المعنويّ الذي يكون من لطائف التركيب في جملة الكلام ومن الوجوه البيانية التي يداور بها المعنى في أيّ جهة انتحى إليها . 3 - صوت الحسّ ، وهو أبلغهنّ شأناً ، لا يكون إلّامن دقّة التصوّر المعنوي والإبداع في تلوين الخطاب ، ومجاذبة النفس مرّة وموادعتها أخرى . وعلى مقدار ما يكون في الكلام البليغ من هذا الصوت يكون فيه من روح البلاغة ، بل صار كأنّه روح للكلام ذاته . يبادرك الروعة في كلّ جزء منه كما تبادرك الحياة في كلّ حركة للجسم الحيّ ، كأنّه تمثيل بألفاظ لخلقة النفس ، في دقَة التركيب وإعجاز الصنعة . ولو تأمّلت هذا المعنى فضلًا من التأمّل وأحسنت في اعتباره على ذلك الوجه لرأيته روح الإعجاز في هذا القرآن الكريم . وأعجب شيء في أمر هذا الحسّ الذي يتمثّل في كلمات القرآن أنّه لا يسرف على النفس ولا يستفرغ مجهودها ، بل هو مقتصد في كلّ أنواع التأثير عليها ، فلا تضيق به ولا تنفر منه ولا يتخونها الملال ولا يسوّغها من لذّتها ويرفّه عليها بأساليبه وطرقه في النظم والبيان . ولو تدبّرت ألفاظ القرآن في نظمها لرأيت حركاتها الصرفية واللغوية تجري في الوضع